سيف الدين الآمدي
15
غاية المرام في علم الكلام
القانون الأول في إثبات الواجب بذاته طريق إثبات الواجب « 1 » : ذهب المحققون من الإسلاميين ، وغيرهم من أهل الشرائع الماضين ، وطوائف الإلهيين ، إلى القول بوجوب وجود موجود وجوده له لذاته ، غير مفتقر إلى ما يسند وجوده إليه ، وكل ما سواه فوجوده متوقف في إبداعه عليه ، ولم يخالفهم في ذلك إلا سواد لا يعرفون ، وطوائف مجهولون ، فلا بد من الفحص عن مطلع نظر الفريقين والكشف عن منتهى أقدام الطائفتين ،
--> ( 1 ) مذهب أهل الحق من المتشرعين ، وطوائف الإلهيين : القول بوجوب وجود موجود ، وجوده لذاته ، لا لغيره ، وكل ما سواه ؛ فمتوقف في وجوده عليه ، خلافا لطائفة شاذة من الباطنية . ومنشأ الاحتجاج على ذلك ما نشاهده من الموجودات العينية ، ونحققه من الأمور الحسية ؛ فإنه إما أن يكون : واجبا لذاته ، أو لا يكون واجبا لذاته . فإن كان الأول : فهو المطلوب . وإن كان الثاني : فكل موجود لا يكون واجبا لذاته ؛ فهو ممكن لذاته ؛ لأنه لو كان ممتنعا لذاته ؛ لما كان موجودا . وإذا كان ممكنا ؛ فالوجود والعدم عليه جائزان . وعند ذلك : فإما أن يكون في وجوده مفتقرا إلى مرجح ، أو غير مفتقر إلى المرجح . فإن لم يكن مفتقرا إلى المرجح ؛ فقد ترجح أحد الجائزين من غير مرجح ؛ وهو ممتنع . وإن افتقر إلى المرجح : فذلك المرجح : إما واجب لذاته ، أو لغيره . فإن كان الأول ؛ فهو المطلوب . وإن كان الثاني : فذلك الغير إما أن يكون معلولا لمعلوله ، أو لغيره . فإن كان الأول : فيلزم أن يكون كل واحد منهما مقوما للآخر ؛ ويلزم من ذلك أن يكون كل واحد منهما مقوما لمقوم نفسه ؛ فيكون كل واحد منهما مقوما لنفسه ؛ لأن مقوم المقوم مقوم . وذلك يوجب جعل كل واحد من الممكنين متقوما بنفسه ، والمتقوم بنفسه لا يكون ممكنا ؛ وهو خلاف الفرض ، ولأن التقويم إضافة بين المقوم والمقوم ؛ فيستدعي المغايرة بينهما ، ولا مغايرة بين الشيء ونفسه . وإن كان الثاني : وهو أن يكون ذلك الغير معلولا للغير : فالكلام في ذلك الغير ، كالكلام في الأول . وعند ذلك فإما أن يقف الأمر على موجود هو مبدأ الموجودات غير مفتقر في وجوده إلى غيره ، أو يتسلسل الأمر إلى غير النهاية . فإن كان الأول : فهو المطلوب . وإن كان الثاني : فهو ممتنع ، انظر الأبكار : ( 1 / 148 ) .